السبت، 10 مايو، 2008

بص وطل .. تكتب عن إحدى إصدارات الدار

الكتاب : (المسحوق والأرض الصلبة)
المؤلف : "إبراهيم عادل"
الناشر : دار النشر اكتب
عدد الصفحات 165
السعر 7 جنيهات

كتب : حسام مصطفى إبراهيم

إذا ما تهوَّرت وأمسكت بهذا الكتاب، فمن الصعب جدّاً أن تتركه قبل أن تأتي على كامل صفحاته في جلسه واحدة؛ فهو منذ أول كلمة يسلّط عليك سحراً يصعب أن تقاومه أو تجد له تعويذة مضادة!!.. عن " المسحوق والأرض الصلبة" أتحدث.

كتاب من القطع المتوسط، يقع في 165 صفحة، صدر مؤخراً عن دار "اكتب" للموهوب الشاب "إبراهيم عادل".

لقد أصبحت ظاهرة تستحق الدراسة بالفعل أن شباب الجيل الجديد بدأ يعبِّر عن نفسه، ويتحايل على احتكار المؤسسات الكبيرة وشروطها الصعبة ومعاييرها الأكثر صعوبة، بالاتجاه لدور النشر الجديدة التي ترحب بالشباب، وتشارك معهم في التكلفة. وربما يصح تسمية عام 2008 -بلا مبالغة- عام إصدارات الشباب.

وتراوحت هذه الإصدارات بين قصص وشعر ويوميات وخواطر وروايات، فهذا الجيل لا تنقصه الجرأة، ولا اتساع الرؤية، ولا تنوع أساليب الحكي.

وهو يريد أن يقول شيئاً، يحاكم الأخطاء، ويستشرف المستقبل، ويضع لمساته النهائية على خارطة صنع الواقع الثقافي والاجتماعي "إبراهيم عادل" واحد من هؤلاء "المغامير" -كما يسميهم ويسمي نفسه- قرر أن يؤذي شعور الصمت، ويخرج علينا برؤاه.

وهو منذ الوهلة الأولى وفّر علينا مشقة تصنيف ما يكتب، فسماه بنفسه "نصوص" ثم شرح لنا في مقدمة الكتاب ما يعنيه هذا المصطلح "في هذه النصوص ستجد القصص وستجد المقالات وستجد الخواطر وستجد الرسائل وربما تجد الشعر أيضاً بل وحتى قصيدة النثر".

فالمهم أن يصل ما يريده الكاتب إلى قلب القارئ مباشرة أو (كطلقة الرصاص) كما يقول يحيى حقي- بصرف النظر عن اللبس الذي يتزيا به النص أو القناع الذي يختبئ خلفه.

ونصوص "إبراهيم" دافئة وطازجة وحميمية، ستجد فيها ما يتحدث عن الحب والفراق والبعد واللقاء وإعادة ترتيب الأوراق القديمة، ستجد ما يتحدث عن الواقع المرير وتداعياته وأحكامه، ستجد ما يتحدث عن فعل الكتابة وصعوبتها وآلياتها، ستجد ما يتحدث عن العشرة والصداقة وأيام الشباب، بمعنى أصح.. ستجد نفسك حتماً مختبئاً خلف كلمة أو مطلاً من مقالة أو عائشاً باللحم والدم والأعصاب في حالة من حالات هذه النصوص.

"إبراهيم" يجيد الحكي، ويمسك بتلابيبك فلا تستطيع الإفلات، مرة ستجد الدموع تفر من عينيك، مرة ستضحك بلا توقف، ومرة ستجد نفسك بحاجة ماسة للهدوء التام حتى تتمكن من إدارة الكلام في ذهنك أكثر من مرة لاستيعابه والإحساس به.

والجميل أيضاً أن "إبراهيم" يدير نصوصه مرة بضمير المتكلم ومرة بضمير المخاطب، مرة على لسانه ومرة على لسان غيره، حتى لا تشعر بالملل، وحتى تحس أن هناك العديد من الأبطال يطلون عليك من خلال الكتاب، ويحاول كل منهم أن يشدك لصفه.

وهو يستخدم الفراغات والنقاط والفواصل وعلامات التعجب والجمل الاعتراضية والكلمات المقطعة حروفاً، بوعي وحرفية، حتى تشعر أنه يحشد معه كل الأسلحة والأدوات التي تمكنه من إيصال ما يريد بالكيفية التي يريد، ويجنح لتجنيد الرؤية البصرية مع جرس الكلمات إضافة للغة والفكر أيضاً.

مما يلفت الانتباه في هذه النصوص كذلك تضفيرها بين اللغة العربية الفصحى -لدرجة الاستعانة بعبارات لابن مالك والشعراء المعاصرين- والعامية الشبابية (الروشة) جدّاً في مزيج نجح "إبراهيم" في تمريره بسهولة ودون صخب ولا نتوءات لغوية أو أسلوبية، مما يدلك على مدى حبه للتراث وقدرته على الغوص فيه واستخراج لآلئه وكنوزه.

أعجبني كذلك في نصوص "إبراهيم عادل" أنه من حين لآخر يورد بيت شعر قائله صديق عزيز له، ثم لا يلبث أن ينوه عن ذلك في نفس الفقرة أو في الهامش السفلي، وكأنه يريد أن يخبرنا أن هذا ليس رأيه وحده ولكنه رأي الجيل بأكمله! ويمنحنا في نفس الوقت الفرصة؛ للتعرف على غيره من المبدعين، وكأن هذا الكتاب دعاية لهم ولفت انتباه لما هم عليه هم أيضاً من الموهبة والفن.
هذا كتاب صادق وحميمي ومحترم.. يستحق أن تقرأه.

بعض النصوص من "المسحوق والأرض الصلبة"

ورقة أخيرة

(لا لن أبكيك.. ولن أرثيك.. ما كنت لأخلدك بتلك الكلمات!.. سأرتدي معطفاً ثقيلاً من الصمت.. أغلف به حكايتنا معاً.. وأسير.. لن أكتب عنك حروفاً مفهومة.. ولا كلمات مبهمة.. سأخطّ خطوطاً بالطول وبالعرض.. لا لكي تشكل شبكة.. بل لكي تشكل شيئاً ما.. غير واضح المعالم.. غير مفهوم.. كعلاقتي "التي كانت" بك!!)

ثورة

"خرج من منزله.. نظر إلى الخارج.. لم يعجبه المنظر.. عاد مرة أخرى إلى منزله.. نظر إلى الداخل.. لم يروقه الحال.. خرج ثانية.. ولم يعد!".

عبور

"عندما عبر إلى الجهة الأخرى.. مسرعاً.. لما تراءت له على الجهة الأخرى.. على الرغم من تفاديه لكل السيارات المارقة بحذر.. وعلى الرغم من أنه كان يركض بسرعة.. إلا أنه بمجرد أن وصل إلى الجهة الأخرى.. أدرك أنه.. طيفها الساري!!".

أمل

"كان يحلم بالوصول إلى القمة.. أخذ يصعد ويصعد.. قابله في صعوده العديد من العقبات.. تخطاها ببراعة يحسد عليها.. ولكنه ما إن اقترب.. حتى.. انهار!"

ليست هناك تعليقات: